فخر الدين الرازي
311
الأربعين في أصول الدين
الفصل الثاني في بيان أن كنه حقيقة اللّه تعالى ، وان لم يكن الآن معلوما . فهل يصح أن يصير معلوما للبشر ؟ اعلم : أنا إذا رأينا الاحتراق حاصلا في الجسم ، علمنا : أنه لا بد لذلك الاحتراق من محرق . وذلك المحرق معلوم ، لكن علمنا ( يكون ) بالتبع والعرض . فانا لا نعلم في هذا الوقت أن ذلك المحرق ما هو ؟ بل أنه شيء ما ، معين في نفسه ، مجهول التعين عند العقل . ومن لوازمه : حصول هذا الاحتراق . وأيضا : إذا وجدنا في أنفسنا ألما ولذة وغما وفرحا . فهذه الماهيات معلومة علما لا بالتبع والعرض ، بل بالذات والحقيقة . وهذه المرتبة أقوى وأجلى من المرتبة الأولى . وأيضا : إذا أدركنا بالعين لونا وضوءا ، ثم غمضنا العين ، فانا ندرك تفرقة بديهية بين الحالتين ، مع أن العلم بذلك اللون المخصوص حاصل في الحالتين . وتلك التفرقة هي المسماة بالرؤية . إذا عرفت هذا فنقول : انا إذا استدللنا بوجود الممكنات على وجود الصانع ، فقد حصل النوع الأول من العلم والمعرفة . أما النوع الثاني والثالث فهل هو ممكن الحصول ؟ قال بعضهم : هذا غير ممكن . لأنه غير متناه ، والعقل متناه ، وادراك غير المتناهى بالمتناهى محال . ومن المحققين من توقف في جوازه وامتناعه . وقال : لا سبيل للعقل إلى معرفة هذه المضايق ، بل السمع لما دل على أن المؤمنين يرون اللّه تعالى يوم القيامة ، دل ذلك على كون هاتين المرتبتين ممكنتين . ولا شك أنه لا حال للبشر أشرف من هاتين الحالتين . فنسأل اللّه أن يجعلنا بفضله أهلا لها . واللّه الموفق والمعين .